محمد بن جرير الطبري
156
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والأوثان سخطي ، لأحل بهم عقوبتي فأهلكهم كما أهلكت من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم ، فكثيرا ما أهلكت قبلهم من أهل قرى عصوني وكذبوا رسلي وعبدوا غيري . فجاءها بأسنا بياتا يقول : فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلا قبل أن يصبحوا ، أو جاءتهم قائلين ، يعني نهارا في وقت القائلة . وقيل : وكم لان المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المثلاث بتكذيبهم رسله وخلافهم عليه ، وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد ، كما قال الفرزدق : كم عمة لك يا جرير وخالة * فدعاء قد حلبت علي عشاري فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه أهلك قرى ، فما في خبره عن إهلاكه القرى من الدليل على إهلاكه أهلها ؟ قيل : إن القرى لا تسمى قرى ولا القرية قرية إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم ، ففي إهلاكها من فيها من أهلها . وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن القرية ، والمراد به أهلها . والذي قلنا في ذلك أولى بالحق لموافقته ظاهر التنزيل المتلو . فإن قال قائل : وكيف قيل : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون وهل هلكت قرية إلا بمجئ بأس الله وحلول نقمته وسخطه بها ؟ فكيف قيل أهلكناها فجاءها وإن كان مجئ بأس الله إياها بعد هلاكها ؟ فما وجه مجئ ذلك قوما قد هلكوا وبادوا ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم ؟ قيل : إن لذلك من التأويل وجهين كلاهما صحيح واضح منهجه : أحدهما أن يكون معناه : وكم من قرية أهلكناها بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى واختيارها اتباع أمر أوليائها ، المغويها عن طاعة ربها ، فجاءها بأسنا إذ فعلت ذلك بياتا ، أو هم قائلون . فيكون إهلاك الله إياها : خذلانه لها عن طاعته ، ويكون مجئ بأس الله إياهم جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم . والآخر منهما : أن يكون الاهلاك هو البأس بعينه . فيكون في ذكر الاهلاك الدلالة